فخر الدين الرازي
137
تفسير الرازي
صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية يذهب إلى فاطمة وعلي عليهما السلام كل صباح ويقول : " الصلاة " وكان يفعل ذلك أشهراً ، ثم بين تعالى أنه إنما يأمرهم بذلك لمنافعهم وأنه متعال عن المنافع بقوله : * ( لا نسألك رزقاً نحن نرزقك ) * وفيه وجوه . أحدها : قال أبو مسلم : المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج ، وهو كقوله تعالى : * ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ، ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) * ( الذاريات : 56 ، 57 ) . وثانيها : * ( لا نسألك رزقاً ) * لنفسك ولا لأهلك بل نحن نرزقك ونرزق أهلك ، ففرغ بالك لأمر الآخرة ، وفي معناه قول الناس : من كان في عمل الله كان الله في عمله . وثالثها : المعنى أنا لما أمرناك بالصلاة فليس ذلك لأنا ننتفع بصلاتك . فعبر عن هذا المعنى بقوله : * ( لا نسألك رزقاً ) * بل نحن نرزقك في الدنيا بوجوه النعم وفي الآخرة بالثواب ، قال عبد الله بن سلام : " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا نزل بأهله ضيق أو شدة أمرهم بالصلاة وتلا هذه الآية " واعلم أنه ليس في الآية رخصة في ترك التكسب لأنه تعالى قال في وصف المتقين : * ( رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ) * ( النور : 37 ) ، أما قوله : والعاقبة للتقوى فالمراد والعاقبة الجميلة لأهل التقوى يعني تقوى الله تعالى ، ثم إنه سبحانه بعد هذه الوصية حكى عنهم شبهتهم ، فكأنه من تمام قوله : * ( فاصبر على ما يقولون ) * ( طه : 130 ) وهي قولهم : * ( لولا يأتينا بآية من ربه ) * أوهموا بهذا الكلام أنه يكلفهم الإيمان من غير آية ، وقالوا في موضع آخر : * ( فليأتنا بآية كما أرسل الأولون ) * ( الأنبياء : 5 ) وأجاب الله تعالى عنه بقوله : * ( أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) * وفيه وجوه : أحدها : أن ما في القرآن إذ وافق ما في كتبهم مع أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يشتغل بالدراسة والتعلم وما رأى أستاذاً البتة كان ذلك إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً . وثانيها : أن بينة ما في الصحف الأولى ما فيها من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وبنبوته وبعثته . وثالثها : ذكر ابن جرير والقفال ( أن ) المعنى : * ( أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى ) * من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات وكفروا بها كيف عاجلناهم بالعقوبة فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآيات كحال أولئك ، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن ، فلهذا وصف القرآن بكونه : * ( بينة ما في الصحف الأولى ) * واعلم أنه إنما ذكر الضمير الراجع إلى البينة لأنها في معنى البرهان والدليل ، ثم بين أنه تعالى أزاح لهم كل عذر وعلة في التكليف ، فقال : * ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولاً ) * والمراد كان لهم أن يقولوا ذلك فيكون عذراً لهم ، فأما الآن وقد أرسلناك وبينا على لسانك لهم ما عليهم وما لهم فلا حجة لهم البتة بل الحجة عليهم . ومعنى : * ( من قبله ) * يحتمل من قبل إرساله ويحتمل من قبل ما أظهره من البينات فإن قيل فما معنى قوله : * ( ولو أنا أهلكناهم . . . لقالوا ) * ( طه : 134 ) والهالك لا يصح أن يقول قلنا المعنى لكان لهم أن يقولوا ذلك يوم القيامة ولذلك قال : * ( من قبل أن نذل ونخزى ) * وذلك لا يليق إلا بعذاب الآخرة ، روي أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال عليه السلام : " يحتج على الله تعالى يوم القيامة ثلاثة : الهالك في الفترة يقول لم يأتني رسول وإلا كنت أطوع خلقك لك . وتلا قوله : * ( لولا